أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
353
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ « 1 » قال الكفار : الأمر إلينا ؛ إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم . فأنزل اللّه تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، انتهى كلامه وفيه نظر ، إذ يؤدّي إلى أن يريد الإنسان بدون إرادة اللّه تعالى . وإلى أن يقع في الوجود ما لا يريد . وهذا يقرب ممّا لا يليق ولا يجوز . وأمّا قوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فالمعنى فيما فرضه وقرّره علينا من أمر الإفطار لمن لا يقدر على الصّوم يدلّ على ذلك سياق / الكلام واتّساقه . / 188 وأما قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ . أي منه ؛ يعني يريد أن لا يظلمهم . وهذا واقع ، فإنّه تعالى لا يظلم أحدا ولا يريد ظلمه . وقال بعضهم : لولا أنّ الأمور كلّها موقوفة على مشيئة اللّه تعالى ، وأنّ أفعالنا معلّقة « 2 » بها وموقوفة عليها لما أجمع على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا ، نحو قوله : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً « 3 » ، وغير ذلك من الآي . ش ي ب : قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 4 » الشيب : ابيضاض الشعر من الكبر غالبا . وقد يرد من مصائب الدّنيا ما يعجل بياضه مع حداثة السنّ . وقد جاء في بعض التفاسير أنّ رجلا بات شابا فأصبح شائبا . فقيل له ، فقال : رأيت وكأنّ القيامة قد قامت ، ورأيت من أهوالها ، فمن ثمّ شبت . ويؤيد هذا قوله تعالى : يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً « 5 » وما أفصح هذا الكلام وأعذبه وأعجزه ! حيث أتى بهذه اللفظة المقتضية للحنوّ على هذا الجنس ، وأنه قد أصابه ما صيّره شائبا . ويحكى أنّ عيسى عليه وعلى نبيّنا وعلى سائر النبيين الصلاة والسّلام والحواريين خرجوا ذات يوم سائحين ، فتذاكروا السفينة فقالوا : يا روح اللّه ، لو بعثت لنا من شاهدها فيخبرنا بها . فأتى تلا من التراب فضربه بعصا كانت معه وقال : قم بإذن الله ، فإذا رجل أشمط فقال : من أنت ؟ قال : سام بن نوح . فاستحكوه أمر السفينة فحكى ، فقال له : أمتّ
--> ( 1 ) 28 / التكوير : 81 . ( 2 ) في الأصل : متعلقة ، ولعلها كما ذكرنا . ( 3 ) 69 / الكهف : 18 . ( 4 ) 4 / مريم : 19 . ( 5 ) 17 / المزمل : 73 .